الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

46

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

يتم بالنّسبة إلى اللازم وأما بالنّسبة إلى الجزء فلا لوضوح أن حصول الكل خارجا وذهنا يتوقف على حصول الجزء فيكون متأخّرا عنه وفهم المعنى من اللفظ ليس إلا حصوله في الذهن بتوسط حضور اللفظ فيكون فهم الكل متأخرا عنه وفهم المعنى من اللفظ ليس إلا حصوله في الذهن بتوسط حضور اللفظ فيكون فهم الكل متأخرا عن فهم الجزء كيف يعقل أن يكون يتوسط الكل قلت إن الجزء وإن كان متقدما في ترتبه على الكل إلاّ أن دلالة اللفظ عليه تابعا لدلالته على الكل ولا منافاة بين الأمرين ألا ترى أن وجود الجزء في الخارج تابع لوجود الكل إذا تعلق الإيجاد بالكل ومع ذلك فهو متقدم عليه بالرّتبة وكذا الكلام في فهم الجزء بالنّسبة إلى فهم الكل فالمتقدم الرتبي لا ينافي تبعيّة المتقدم رتبة للمتأخر عنه في الرّتبة وتحقيق المقام أنّ الدّلالة التّضمنيّة ليست مغاير للدلالة المطابقيّة بالذات وإنما تغايرها بالاعتبار فإن مدلولية الجزء إنما بمدلولية الكل غير أن تلك الدلالة إذا نسبت إلى الكل كانت مطابقة وإذا نسبت إلى الجزء كانت تضمنا كما مرت الإشارة إليه فليس هناك حصولان وإنما هو حصول واحد يعتبر على وجهين وهو بأحد الاعتبارين متأخر عن اعتباره الآخر بحسب الرّتبة من جهة وإن كان ذلك الاعتبار المتأخر متأصلا والآخر تابعا له حاصلا بواسطة النظر إلى تعلقه بالكل ابتداء وتعلقه بالجزء من جهة حصوله في ضمنه ومن ذلك يظهر الجواب بالنسبة إلى بعض المداليل الالتزاميّة أيضا فإن منها ما يكون تصوّر الملزوم هناك متوقفا على تصور اللازم فيكون دلالته على الملزوم توقفه على دلالته على التلازم إذ ليس مفاد الدلالة كما عرفت إلاّ وجود المدلول في الذهن عند وجود الدال كما هو الحال في العمى بالنسبة إلى البصر وذلك لأن تأخر دلالته على الملزوم نظرا إلى توقفه على تصوّر اللازم لا ينافي كون الملزوم هو المدلول بالأصالة واللازم مدلولا بالتبع بواسطة فتأمل ثم إنه قد ظهر مما قلنا أن ظهور المعنى المتبادر من اللفظ في شيء لا يفيد كون اللفظ حقيقة فيه كما يتفق في كثير من المقامات إذ ليس ذلك ظهورا ناشئا من نفس اللفظ لينحصر الأمر مع عدم استناده إلى القرينة في الاستناد إلى الواضع وإنما هو ظهور معنوي ناش من صرف المعنى إلى بعض أنواعه لكونه أكمل من غيره أو لشيوع وجوده في ضمنه ونحو ذلك فيكشف من ذلك انصراف الذهن إليه حال إرادة المعنى ولو من غير طريق اللفظ فلا دلالة فيه على الوضع وكثيرا ما يكون التبادر الإطلاقي من هذا القبيل وقد يكون من جهة شيوع إطلاقه على بعض الأفراد من غير أن يتعين له أو شيوع استعماله في خصوصية وإن كان استعماله حينئذ مجازا وكثيرا ما يشتبه الحال في المقام فيظن المتبادر الناشئ من ظهور المعنى ناشئا من اللفظ من جهة الغفلة عن ملاحظة توسّط المعنى في حصول التبادر فيستدل به على الحقيقة ومن ذلك احتجاج الجمهور على كون الأمر حقيقة في الوجوب بتبادره منه عند التجرّد عن القرائن ولذا يحسن الذم والعقاب عند العقلاء بمجرّد مخالفة العبد لأمر السّيّد والظاهر المتبادر والحاصل هناك من جهة وضع الصّيغة للطلب وظهور الطلب في الوجوب أما جهة ظهور اللفظ فيه أولا كما يشهد له ظهور الطلب في الوجوب بأي لفظ وقع وكذا الحال في احتجاجهم على كون النهي موضوعا للحرمة إلى غير ذلك من المقامات التي يقف عليها المتتبع فلا بد من التأمل فيما ذكرناه في مقام الاستدلال لئلا يشتبه الحال ثالثها النقض بالمجاز لتبادر ذلك المعنى منه حال انتفاء القرائن مع كونه معنى مجازيا وجوابه أن اشتهار استعمال اللفظ في ذلك المعنى من جملة القرائن على إرادته والتبادر الّذي جعل أمارة على الحقيقة هو ما كان مع الخلوّ عن جميع القرائن الحالية أو المقاليّة والقرائن الخاصّة والعامة ولو بحسب الملاحظة والشهرة في المقام من القرائن العام على إرادة المعنى المشهور الشاملة لسائر موارد استعماله إلا أن يقوم قرينة أخرى على خلافه فالفرق بينه وبين التبادر الحاصل في الحقيقة أن فهم المعنى في المجاز منوط بملاحظة الشهرة وكثرة الاستعمال بخلاف الحقيقة فإنه لا حاجة في فهمه من اللفظ إلى تلك الملاحظة وإن كان حصول الوضع من جهة التعيين الحاصل بالاشتهار والغلبة كما في كثير من المنقولات العرفية فإن الشهرة وغلبة الاستعمال قد تصل إلى حد يكون تبادر المعنى من اللفظ غير محتاج إلى ملاحظة تلك الغلبة وحينئذ يكون سببا لتعيين اللّفظ لذلك المعنى وقد لا يصل إلى ذلك الحد وحينئذ لو قطع النّظر عن ملاحظة الشهرة كان المتبادر هو المعنى الأصلي ولم يتبادر المعنى المجازي إلا بعد ملاحظتها وتفصيل الكلام في المرام أن لكثرة الألفاظ في المعنى المجازي مراتب أحدها أن يكون استعمال اللّفظ فيه فيه شائعا كثيرا بحيث يكون تلك الشّهرة والغلبة باعثة على رجحان ذلك المعنى على سائر المجازات بحيث لو قام هناك قرينة صارفة انصرف اللفظ إليه بمجرّد ذلك من غير حاجة إلى قرينة معيّنة فتكون تلك الغلبة منزلته منزلة القرينة المعيّنة فالشهرة إنما تكون باعثة على رجحان ذلك المجاز على سائر المجازات ولا يقاوم الظن الحاصل من الوضع ليكون قاضية بانفهام المعنى المذكور مع الخلو عن القرينة الصّارفة أيضا بل ليس المفهوم منه حينئذ إلا معناه الحقيقي خاصة ثانيها أن يكون اشتهار استعماله فيه موجبا لانفهام المعنى المفروض من اللفظ بملاحظة الشّهرة لا بأن يرجحه على المعنى الحقيقي بل يجعله مساويا فيرد الذهن بينهما بالنسبة إلى المراد مع الخلو عن قرينة التعيين فيكون الظّهور الحاصل من الشهرة مساويا لظهور الحاصل من الوضع ثالثها أن يكون مع تلك الملاحظة منصرفا إلى ذلك المعنى دون المعنى الحقيقي إلا أنه مع قطع النّظر عن تلك الملاحظة ينصرف إلى ما وضع له رابعها أن يكون بحيث يجعل المعنى المجازي مساويا للحقيقي في الفهم مع قطع النظر عن ملاحظة الشهرة سواء كان راجحا عليه مع ملاحظتها أو لا خامسها أن يكون راجحا عليه كذلك فينصرف الذهن إليه مع قطع النظر عن ملاحظة الشهرة فاللفظ في المراتب الثلاث الأول باق على معناه الأصلي ويكون مجازا شائعا في المعنى الثاني على اختلاف مراتب الشهرة فيها فيقدم الحقيقة عليه في الصورة الأولى فيتوقف في الثانية ويترجح على الحقيقة في الثالثة وهذا هو التحقيق في مسألة دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز المشهور كما أشرنا إليه وباقي الكلام فيه من محله إن شاء اللّه والتبادر الحاصل في الصّورتين الأخيرتين منها ليس أمارة على الوضع لاستناده إلى ملاحظة الشهرة التي هي قرينة لازمة للفظ كما عرفت وحينئذ فيفتقر ترجيح الحقيقة في الأول منهما وصرفه عن المجاز في ثانيهما إلى وجود القرينة المعينة أو الصّارفة كما في المشترك والحقيقة والمجاز إلا أن هناك فرقا بين القرينة المرعيّة في المقام والقرينة المعتبرة في المشترك حيث إن القرينة في المشترك لرفع الإبهام الحاصل في نفس اللفظ نظرا إلى تعدد وضعه وهنا من جهة رفع المانع الخارجي من